أحدث المقالات

قدرٌ أم مصير؟



أمير عزام يكتب:  قدرٌ أم مصير؟



تمنحُنا الحياةُ كلَّ يومٍ فرصةً لبدءِ حياةٍ جديدةٍ كما نتخيَّلُها نحن، ولكنَّ ضعفَ نفوسِنا وتمسُّكَها بأوزارِ الماضي والأمسِ القريبِ جعلا من كلِّ غدٍ ضياعَ فرصةٍ جديدةٍ لحياةٍ جديدةٍ، حتى كَلَّ الأملُ منا، ومَلَّت الفرصُ، وفُقد العزمُ فينا.

الحياةُ هي هي الحياةُ بكلِّ تفاصيلِها، والوقتُ الذي يمرُّ عليكَ هو نفسُه الذي مرَّ على غيرِك، فقط تختلفُ طريقةُ الأشخاصِ في تهيئةِ الوقتِ والحياةِ لأنفسِهم. يمكنكَ أن تمنحَ نفسَكَ ساعةً واحدةً وكأنَّكَ صبيٌّ وُلِدَ منذَ ساعةٍ، قمْ بعزلِ نفسِكَ عن الحياةِ، وانسَ كلَّ الماضي، وامنحْ نفسَكَ فرصةً صغيرةً، وأغمضْ عينيكَ، ثمَّ تخيَّلْ نفسَكَ في تلكَ الساعةِ. افعلْ ما شئتَ فيها، وتخيَّلْ ما شئتَ، ستجدُ أنَّكَ فكَّرتَ وتخيَّلتَ بطريقةٍ مختلفةٍ عن غيرِكَ، ويكادُ لا يتشابهُ أيُّ شيءٍ بينكم على الإطلاقِ. هكذا هي الحياةُ: بضعةُ ساعاتٍ وأيامٍ وسنون، يمكنكَ أن تفعلَ فيها ما شئتَ.

لا تُلْقِ اللومَ على أحدٍ على الإطلاقِ، ولا ترهنْ مصيرَكَ بغيرِكَ، فأنتَ المتحكِّمُ الوحيدُ في مجرياتِ الأمورِ وكيف تسيرُ. وحتى لا يخالِطَني الخطأُ في قولي، أنا لا أقصدُ الأقدارَ الإلهيةَ أو السُّننَ الكونيةَ، فتلكَ من اللهِ، ولا يمكنُنا تغييرُها أو الاعتراضُ عليها، ولكن يمكنُنا تهيئةُ النفسِ لها، كأنها طريقٌ أو مكانٌ خالٍ، وعليكَ أن تخطِّطَهُ من جديدٍ لتبنيَ لنفسِكَ حياةً في تلكَ الأقدارِ.

الأقدارُ محتومةُ المصيرِ، لكنَّها تكونُ على هامشِ اختياراتِكَ، وإلَّا لكُنَّا جميعًا في الجنةِ أو جميعًا في النارِ، أو لم نكنْ موجودينَ من الأساسِ. اللهُ لم يخلقْنا ليعذِّبَنا أو ليُسَخِّرَنا في العملِ أو الشقاءِ، بل خلقَنا لنعمرَ الأرضَ وفقَ أُسُسٍ واضحةٍ، وهي أن نعبدَ اللهَ لا شريكَ له. ولو كانت الأقدارُ -حاشا للهِ- ديكتاتوريةً، لأودعَنا اللهُ في الخيرِ أو تركَنا للشرِّ، ولكن؟

في نفسِ الوقتِ الذي كنتَ فيه حيثُ غروبُ الشمسِ، كان يشاركُكَ ذلكَ الوقتَ نصفُ الكرةِ الأرضيةِ، كلٌّ منهم فعلَ ما يحلو له. يمكنكَ أن تفكِّرَ في نفسِكَ قليلًا: كيفَ كانت أعمالُكَ في ذاكَ الوقتِ؟ وتخيَّلْ نفسَكَ في ساحةٍ كبيرةٍ بها مسجدٌ، ومحلُّ خمورٍ، وقلعةٌ سياحيةٌ، وامرأةٌ مرَّتْ عليكَ شبهُ عاريةٍ متجهةً إلى القلعةِ. أنتَ في ذلكَ الوقتِ، وعشرةُ أشخاصٍ آخرون، اُنظرْ ماذا حدث؟

ودعني أقولُ لكَ كيفَ هو القدرُ: لقد أُوهِمْنا بفكرٍ خاطئٍ عن الأقدارِ حتى ظننَّا أنَّ اللهَ يفعلُ بنا تلكَ الأشياءَ السيئةَ، وأنَّ اللهَ أرادَ بنا الهلاكَ وفقَ مشيئتِه.

كلُّ شيءٍ في الحياةِ هو للهِ، يفعلُ بهِ ما يشاءُ، ولكنَّ اللهَ لم يتحكَّمْ فينا وفقَ هوىً -حاشا للهِ- بل وفقَ تصرُّفاتٍ أو أعمالٍ أقبلْنا عليها. وقد وضعَ اللهُ لنا قوانينَ نسيرُ عليها، وأعطانا الحقَّ في أن نحدِّدَ الطريقَ للوصولِ إلى تلكَ القوانينِ أو الإعراضِ عنها، ومن هنا يصيبُنا القدرُ كنتيجةٍ، وليس كقرارٍ.

قدَرُكَ أنتَ فقط يتلخَّصُ في مرورِ هذه السيدةِ من أمامِكَ، ويبقى لديكَ الاختيارُ بعدها: كيفَ تفعلُ؟ تنظرُ إليها؟ تنصرفُ عنها؟ وفي هذه الاختياراتِ تكمنُ الحياةُ الحقيقيةُ في اتخاذِكَ القرارَ. يمكنكَ إضافةُ وتعديلُ حياتِكَ كيفما شئتَ دونَ تدخُّلِ أيِّ قدرٍ، فيمكنُكَ مثلًا أن تذهبَ إلى المسجدِ لتصلِّيَ، أو تذهبَ إلى محلِّ الخمرِ، أو تذهبَ وراءَ السيدةِ لتغازلَها. القدرُ لكَ، والأشخاصُ من حولِكَ فقط في مرورِ تلكَ السيدةِ من أمامِكم.

أما بالنسبةِ لمرورِ السيدةِ من هنا وبتلكَ الملابسِ، فهو ليس بقدرٍ أيضًا، بل اختيارٌ منها. ولو كان قدرًا من اللهِ، أيْ أمرَ اللهُ تلكَ السيدةَ أن تفعلَ ذلك، لكانَ ظلمًا من اللهِ -وهو العدلُ-. فليسَ في ذلكَ الموقفِ أيُّ تدخُّلاتٍ إلهيةٍ تجبرُنا على الاختيارِ، بل قد تجدُ اللهَ يعينُكَ في بعضِ الاختياراتِ ويُساعدُكَ، فكيفَ للهِ أن يجبرَنا على الشرِّ، ولو كانَ جَبْرًا، لكانَ على الخيرِ؟

من هنا يُمكنكَ أن تعلِّقَ مصيرَكَ على مصيرِ غيرِكَ، فلوِ اتَّخذَت الفتاةُ السيرَ عاريةً، ونظرتَ إليها، فقد جنيتَ بعضَ الذنوبِ وفقَ مصيرِ آخرينَ، وليس وفقَ قدرِ اللهِ. ولو أنَّها لم تمرَّ، ما حصدتَ تلكَ الذنوبَ. وبهذه الطريقةِ أنتَ تفعلُ كلَّ شيءٍ في حياتِكَ وفقَ هذهِ النظريةِ: تعلِّقُ مصيرَكَ بمصيرِ الآخرينَ. ولأنَّ القدرَ الإلهيَّ لا يتغيَّرُ إطلاقًا، فلنُغيِّرْ هذهِ الأقدارَ الوهميةَ التي صنعناها نحنُ!


قد يتَّهمُني البعضُ بالكفرِ أو الإلحادِ أو الحيادِ عن دينِ اللهِ -عزَّ وجلَّ-، وأنا بريءٌ من ذلكَ.

أنا سأغيِّرُ ذلكَ القدرَ، أو بالأحرى هو ليس بقدرٍ، بل هو طريقٌ ومصيرٌ نحنُ صنعناهُ لأنفسِنا واتَّهمنا القدرَ به. فكيفَ يكونُ ذلكَ؟

اللهُ -عزَّ وجلَّ- عندما بدأَ الخليقةَ، لم يخلقْ سوى آدمَ -عليهِ السلامُ-، وبعدَها خلقَ حواءَ. لم يخلقِ اللهُ مسجدًا، أو قلعةً، أو محلَّ خمورٍ، أو أيَّ شيءٍ من هذا القبيلِ. حتى أنَّ اللهَ لم يُخرجْ آدمَ من الجنةِ، بل هو من فعلَ ذلكَ بقرارٍ منهُ فقط، وبوسوسةِ إبليسَ أيضًا.

إنَّ قراراتِنا نحنُ فقط هي من تصنعُ الأقدارَ. نحنُ من شيَّدنا القلاعَ، وبنينا المساجدَ، وأطلقنا الخمورَ، وصنعنا الملابسَ، منها الجيدُ والسَّيِّئُ.

أنتَ من تصنعُ قدرَكَ، وليسَ أحدٌ آخرُ، فكنْ على الموعدِ مع اللهِ، واجتهدْ، واعملْ جيدًا، وامضِ في طريقِكَ، واصنعْ نفسَكَ، وعلى اللهِ التوفيقُ.

تعليقات



    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -